ابن كثير
457
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
خلاف ، وقال بعض السلف : بل عدتها كعدة الحرة لعموم الآية ، ولأن هذا أمر جبلي ، فكان الحرائر والإماء في هذا سواء ، حكى هذا القول الشيخ أبو عمر بن عبد البر ، عن محمد بن سيرين وبعض أهل الظاهر وضعفه . وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو اليمان ، حدثنا إسماعيل ، يعني ابن عياش ، عن عمرو بن مهاجر ، عن أبيه ، أن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية ، قالت : طلقت على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولم يكن للمطلقة عدة ، فأنزل اللّه عز وجل حين طلقت أسماء العدة للطلاق ، فكانت من هذا الوجه فيها العدة للطلاق يعني وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ، وهذا حديث غريب من هذا الوجه . وقد اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو على قولين : [ أحدهما ] أن المراد بها الأطهار ، وقال مالك في الموطأ « 1 » عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة ، فذكر ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن ، فقالت : صدق عروة ، وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا : إن اللّه تعالى يقول في كتابه ثَلاثَةَ قُرُوءٍ . فقالت عائشة : صدقتم ، وتدرون ما الأقراء ؟ إنما الأقراء الأطهار . وقال مالك « 2 » ، عن ابن شهاب : سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول : ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك ، يريد قول عائشة . وقال مالك « 3 » عن نافع ، عن عبد اللّه بن عمر ، أنه كان يقول : إذا طلق الرجل امرأته ، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها ، وقال مالك : وهو الأمر عندنا . وروي مثله عن ابن عباس وزيد بن ثابت وسالم والقاسم وعروة وسليمان بن يسار ، وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري وبقية الفقهاء السبعة وهو مذهب مالك والشافعي وغير واحد وداود وأبي ثور ، وهو رواية عن أحمد واستدلوا عليه بقوله تعالى : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أي في الأطهار ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسبا ، دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها ولهذا قال هؤلاء : إن المعتدة تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة ، وأقل مدة تصدق فيها المرأة في انقضاء عدتها اثنان وثلاثون يوما ولحظتان ، واستشهد أبو عبيد وغيره على ذلك بقول الشاعر وهو الأعشى : [ الطويل ] ففي كل عام أنت جاشم غزوة * تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة مالا وفي الذكر رفعة * لما ضاع فيها من قروء نسائكا « 4 » يمدح أميرا « 5 » من أمراء العرب آثر الغزو على المقام ، حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه لم
--> ( 1 ) الموطأ ( طلاق حديث 54 ) ( 2 ) الموطأ ( طلاق حديث 55 ) ( 3 ) الموطأ ( طلاق حديث 58 ) ( 4 ) البيتان للأعشى في ديوانه ص 141 ؛ ولسان العرب ( غزا ) ؛ والطبري 2 / 458 ؛ ومجاز القرآن 1 / 74 . ( 5 ) هو هوذة بن علي الحنفي .